-->

تأثير الموسيقى على الجسم وعلى الدماغ

هل حدثَ أنْ استمعت إلى موسيقا معيَّنة وشعَرْت كأنَّها تتكلمُّ معك شخصياً؟ فهل شعرت أنّها تداوي حزناً، أو تمنحُك السعادة أو تدفعك لإنجاز أعمالك بسهولة؟ وهل هذا التأثيرُ مجرَّدُ صدفةٍ حيويةٍ؟ أم أنَّ الموسيقا تؤثر فعلياً على الدماغ؟ 



تقترحُ العديد من الدراسات الَّتي سنتطرق إليها أنَّ الموسيقا تزيدُ من الصحة العقلية وتُحسِّنُ أداءَ الدماغ عموماً، وأنَّ قدرةَ الموسيقا على التأثير ترتبطُ بصحة دماغ المتلقي أيضاً؛ فقد يُظهِرُ الدماغُ المتضرِّرُ بعضَ الصعوباتِ في الجانب الموسيقي من حيثُ القدرة على التمييز والتحليل. وطالما كانَ هنالك علاقةٌ وثيقةٌ بين الدماغ والموسيقا، فدماغُنا ونظامُنا العصبي مصمَّمٌ لِيتفاعلَ ويُفرِّقَ بين الألحان، والإيقاعات والتكرارات اللحنية، وسواءٌ بحثتَ في أكثرِ المجتمعات تطوراً أم أقلَّها فإنكَّ ستجدُ الموسيقا والتفاعلَ البشري معها. 
بداية سنبحثُ في كيفيَّةِ وصول الموسيقا إلى الدماغ، وماذا يحدث في مصنعِ الدماغ عندها.

إنَّ أولَ عضو يستقبلُ الموسيقا والألحان هي الأذن، إذ تصل الموسيقا إليها كما يصلُ أيُّ صوتٍ آخر على شكل موجةٍ صوتيةٍ، وتجمع الأذن جميع الموجات الصوتية، ثمَّ ترسلُها إلى غشاء الطبل الذي يهتز بفعلها، فتسبِّبُ اهتزازَ العُظيماتِ الثلاث الموجودة في الأذن الوسطى، وبالتحديد عند اهتزاز العظمة الثالثة - التي تدعى الركاب - تصلُ الاهتزازاتُ إلى الدهليز وذلك لاتِّصالها به. ويشكِّلُ الدهليزُ آخرَ نقطةٍ تصلُ إليها الأمواجُ في الأذن قبل ذهابها إلى الدماغ من أجل التحليل، فالدهليز مملوءٌ بالسوائل والخلايا الشعرية التي تُفرِزُ مُحفِّزاتٍ عصبيةً كيمائيّةً تُحفِّزُ عصبَ السمع؛ الذي يرسل إشاراتٍ كهربائية إلى الجزء المسؤول عن السمع في الفَص الصدغي للدماغ. 

ولكن ماذا يحدث داخل الدماغ عند وصول الموسيقا إليه؟ 
أثبتَتِ الدراساتُ بالتصويرِ الطبقي المحوري لِدماغٍ سليم أنَّ كلَّ قسمٍ في الفص الصدغي مسؤولٌ عن تحليل نوع من الصوت، فمثلاً هناك منطقة صغيرة في القسم اليميني من الفص الصدغي هي من أكثر المناطق المهمة لالتقاط نبرة الصوت والأكوردات و تجانِسها أيضاً، وهناكُ قسمٌ آخرُ مسؤولٌ عن تحليل نوع الصوت؛ فهو يُميِّزُ النغمة ذاتها لآلتَين مختلفتَين، أمَّا المُخَيخ فهو مسؤولٌ عن تحليل الضربات الإيقاعية.

لكن أين تحدثُ عملية التحليل والربط العاطفي للموسيقا؟
 تتكوّنُ الروابطُ والتحليلاتُ العاطفيّة للألحانِ الموسيقية في الفص الأمامي للدماغ، فمثلاً؛ عندما تستمعُ إلى الموسيقا القوية أو المؤثِّرة فهي تكون قادرةً على تحفيز قسم المكافآت في الفص الأمامي للدماغ بالقوّة ذاتها للكحول أو الشوكولا، فيقشعرُّ لها بدنُكَ أو تشعرُ بسعادةٍ كبيرةٍ. 

الموسيقا وتحسين الإدراك: 

نظرية "تأثير موزارت":
بدأت هذه النظرية بالظهور بعد أن لوحِظَ أنَّ أغلب الموسيقيين يمتلكون قدراتٍ غير اعتياديّة في علم الرياضيات، فانطلقتِ الأبحاثُ في جامعة إريفِن (Irvine) في كاليفورنيا لإثباتِ تأثير الموسيقا على الفعل الإدراكي في الدماغ والإدراكِ الزماني المكاني تحديداً. وأثناء الاختبارات؛ اختاروا موسيقا موزارت الكلاسيكية مقابل عدم الاستماع إلى أيِّ شيءٍ؛ فنجحَ موزارت برفع مستوياتِ الذكاء لدى المجموعة التي استمعت إليه بفارق كبير، ثم تحرَّى الباحثون مرَّةً أُخرى ليرَوا إذا كان التأثير موجوداً في مقطوعاتِ الموسيقا الكلاسيكية كافّةً أم لدى موزارت فقط، وقد حقَّق موزارت النجاحَ مرَّةً أُخرى برفعِ مستوياتِ الإدراك والذاكرة بِنِسبٍ جيدةٍ مقارنة بباقي أنماط الموسيقا الكلاسيكية. ولكن قبل أن تسرع لتحميل أو شراء مؤلفات موزارت؛ عليكَ أن تعلمَ أنَّ التأثير على تحسين الإدراك بعيدُ المدى أكثرُ من كونه آنياً.

وفضلاً عن ذلك فقد أثبتت الدراساتُ أنَّ تعلُّمَ العزف على آلة موسيقية يُمكِنُ أن يزيد من قدرة الدماغ على إنجاز العمليات على نحوٍ أسرع، ومنها تعلُّمُ اللغات وتحسينُ الذاكرة والانتباه. ولم تُعرَفْ بعدُ الطريقةُ الفعلية والعملية التي تقوم بها الموسيقا بتحسين الإدراك، لكنْ باعتقاد الباحثين ودارسيّ هذا الموضوع فإنَّ الموسيقا تُنظِّمُ عمليةَ إطلاقِ الخلايا العصبية في القسم اليميني من الفص الصدغي، وهو القسم المسؤولُ عن العمليات الأساسية، وبهذا الافتراض تعمل الموسيقا كتمرين للخلايا الدماغية؛ ممَّا يسمحُ لها باحتواء المعلومات بطريقة أكثرَ فعاليّةً. ولا تقتصرُ الموسيقا على التعبير عن المشاعر وحسب، بل تستطيع تغييرها وتعديلها أيضاً، ولكن هل تتدخل في تعديل وتخفيف التوتر لدى بعض المرضى؟! وهل من الممكن استخدامُها كعلاجٍ في بعض الحالات المرضية؟؟ لِمعرفةِ الجواب عن هذه الأسئلة تابعونا في الجزء الثاني
مواضيع مقترحة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق