-->

عندما لا تستطيع مقاومة شهوتك - نفاذ الإرادة !


قامت نظرياتُ فرويد على تقسيم النفس البشريّة إلى ثلاثة وجوه:
الهو Id: وهو الجزء الغريزي من نفوسنا، يطلب على الدوام تأمين حاجيات الجسم الأساسيّة بغض النظر عن العواقب.
الأنا العليا Superego: وهو الجزء السامي، يطلب الالتزام بالفضائل وبالعقد الاجتماعي في كل الأوقات.
الأنا Ego: الجزء الواقعي، يسعى دائماً للتوفيق بين الجزأين السابقين وتأمين متطلباتِهما وتحقيق التوازن.

وقد رأى فرويد أنّ الجزء الواقعي من شخصيتنا يستمدُّ قدرتَه على إحداث التوافق، من مخزنٍ له سعةٌ معينة في الجسم. وعلى الرغم من أنّ فكرته كانت عامّةً وغيرَ محدّدة، إذ لم يوضّح طبيعةَ هذا المخزن أو مكانَ وجوده، إلّا أنّها شكّلت انطلاقةً لدراسةٍ أجراها Baumeister عام 1998 للتأكد من وجود هذا المصدر وإمكانية نفاذه. وكانت نتائج دراسته تشير بالفعل إلى وجود هذا المصدر، ووضع على أساسها نظريةً جديدة أسماها Ego-Depleation الّتي اعتمدَها مئاتُ الباحثين لبناء أفكارهم حول قدرتنا على السيطرة على النفس وكيف يمكنُنا صرف هذا المخزن بشكلٍ واعٍ كي نستطيع القيام بكامل واجباتنا اليوميّة على أكمل وجه. دراسةٌ جديدة صدرت عام 2016 تحدَّت المدرسة الفكريّة السابقة بأكملها، فما هذه الدراسة؟ وما هي تَبِعاتُها؟

ما هو Ego Depletion: تخيّل معي هذا الموقف: تقفُ أمام صحنٍ من الحلويات وتحاولُ ردع نفسك عن تناول قطعةٍ إضافية، فأنت تعرف تأثير ذلك على المدى البعيد على صحتك ووزنك. هل تعتقد أنّ ما ستفعله سيختلف إذا كان هذا أوَّلَ قرارٍ تحتاجُ لاتخاذه لهذا اليوم، أو كان صحن الحلويات ينتظرك في المنزل بعد يومٍ مرهق؟ تبعاً لنظرية نفاذ السيطرة على النفس Ego Depletion، فالجواب هو نعم، سيختلف. وذلك لأنك قد استنفذت الكثير من مخزونك من الإرادة في الحالة الثانية وكنت أضعف لتأثيرات الجزء الغريزي منك وهو Id. إذاً نظرية نفاذ الإرادة Ego Depletion تدّعي التالي: إنّ قيام الإنسان بفعلٍ ما (يتطلّب إحداث التوافق بين وجهنا الغريزي ووجهنا السامي) يتطلب من الـ Ego سحبَ ما يشابه الطاقة من مصدرٍ خفيٍّ في الجسم. هذا المصدر قابلٌ للنفاذ في اليوم الواحد. نستنتج من ذلك أنّ أيَّ قرارٍ نتّخذُه الآن سوف يؤثّر على قدرتنا على اتّخاذ قرارٍ عقلانيٍّ قد يواجهُنا في وقتٍ لاحقٍ من اليوم. [1] يعتمد قسمٌ كبيرٌ من علماء النفس والكُتّاب في مواضيعِ تطوير الذات على هذه النظريّة. فلا بُدّ أنّك سمعتَ سابقاً أنّ مشاهير التكنولوجيا مثل ستيف جوبز ومارك زوكربرغ يرتدون نفس الملابس يوميّاً لكي لا يصرفوا جهداً قد يحتاجونه لاتّخاذ قراراتٍ أهم في المستقبل. أو نصيحةً من مقالةِ تحسين الذات تدّعي وجوب أن تقرّر طعامك وملابسك قبل أسبوع كي لا تضطّر أن تقرّر وأنت في عجلة من أمرك.

أما الدراسة الّتي وجّهت ضربةً قاضية فكانت عام 2016، بقيادة Martin Hagger. إذ جمعَتْ ما يقارب 2000 مشارك وقامت بإعادة إجراء التجارب النموذجية الّتي كانت حجرَ الأساس في النظريّة، وكانت النتيجة صفراً بالضبط، أي لا يوجد أبداً ما يوجّهنا إلى وجود مصدر الطاقة الخفيّ. ولكن ماذا عن نتائج Baumestier ومئات التجارب الّتي أعادت نموذجه ووجدت نتائج مشابهة؟

كانت نتائج الدراسة الصادرة عام 2016 حاسمة، فهي دراسةٌ ذاتُ وزنٍ كبيرٍ لاحتوائها على عددٍ هائل من المشاركين، وقيامِها بإجراءِ عددٍ ضخمٍ من التجارب الّتي كانت من المفترض أن تدعم نظرية نفاذ الإرادة، أين يتركنا هذا؟ من الواضح أنّ الإنسان لا يملك مصدراً خفيّاً يستمد منه طاقته لإحداث التوافق بين جانبيه السامي والغريزي. وفي تصريحٍ لـ Baumeister، أكّد نيّته للقيام بمراجعةٍ منهجيّةٍ شاملةٍ العامَ المُقبل لينظرَ في الأدلة الموجودة حالياً في الأدب الطبّي.

المصادر: https://faculty.washington.edu/jdb/345/345%20Articles/Baumeister%20et%20al.%20(1998).pdf
مواضيع مقترحة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق